مجلة منظمة الصحة العالمية

لُغْزُ سرطان الثدي

يذكر باتريك أدامز في تقرير له: تتزايد معدلات سرطان الثدي لعقود في البلدان الغنية أكثر منها في البلدان الفقيرة. وبدأ العلماء في فهم المزيد حول أسبابه، ولكن لاتزال هناك أسئلة دونما إجابة.

أعداد منظمة الصحة العالمية 2013;91:626-627. doi: http://dx.doi.org/10.2471/BLT.13.020913

منذ حوالي 40 سنة، أعلنت السيدة الأمريكية الأولى آنذاك، بيتي فورد، على الملأ تشخيص إصابتها بسرطان الثدي، وأنها ستخضع لاستئصال الثدي الجذري لإزالة الورم. لقد كسر قرار فورد الشجاع بإعلان تشخيصها الصمت حول المرض، وشجع ملايين النساء للخضوع للمسح. وعندما قمن بذلك، زادت نسبة كشفه في الولايات المتحدة الأمريكية بشكل حاد. وأطلق الباحثون على تلك الحادثة اسم ”إشارة بيتي فورد“.

على العكس، لا يمكن تفسير زيادة معدلات سرطان الثدي الملاحظة في الولايات المتحدة والبلدان الغنية الأخرى خلال العقود الثلاثة الأخيرة بزيادة الوعي والمسح وحدهما. وبينما لوحظ أن زيادة طفرات الجينتين BRCA1 و BRCA2 تؤدي إلى زيادة خطر إصابة المرأة طوال عمرها بسرطان الثدي، إلا أن أقل من 10% من الحالات يعتقد أنها تحدث عند نساء مصابات بهاتين الطفرتين الوراثيتين.

لا بد من النظر في وجود أشكال أخرى من سرطان الثدي الوراثي. إذ تحدث أغلب حالات سرطان الثدي عند نساء دون عوامل خطر وراثية معروفة، مما قاد العلماء إلى التساؤل ما الأمر الآخر الذي يتم.

ما الأمر الخاص بنمط حياة النساء في البلدان المتطورة، يجعلهن أكثر ميلاً لحدوث المرض من قريناتهن في أجزاء من جنوب شرق آسيا وأفريقيا، حيث يبدو الانتشار أخفض بخمس مرات؟

هل يمكن تفسير التناقض جزئياً، بانخفاض معدلات كشف سرطان الثدي في الدول الفقيرة، حيث يكون العبء الحقيقي أعلى بكثير مما تشير إليه المعطيات المتاحة؟

يقول الدكتور تيم كي، اختصاصي وبائيات وخبير سرطان في جامعة أوكسفورد، ”ليس الأمر أن بعض المجموعات السكانية منيعة وراثياً للمرض“، ”لأننا نعلم أنه عند انتقال البشر من بلدان فقيرة إلى بلدان غنية، فإنهم خلال جيل أو جيلين يظهرون نفس المعدلات كالغربيات. هو شيء يتعلق بطريقة عيش البشر“.

يقول كي أن السمنة وتعاطي الكحول متورطان بشكل واضح. ”فالسمينات يظهرن مستويات دموية أعلى من [هرمون] الإستروجين، كما تولد الخلايا الشحمية الإستروجين“، وهو ما يدفع إلى نمو أغلب أورام سرطان الثدي. ويترافق الكحول مع رفع مستويات الهرمونات في الدم، مما قد يشكل آلية يزيد فيها خطر سرطان الثدي عند المرأة. وأظهرت عدة دراسات حديثة أن النشاط الجسدي قد ينقص الخطر، بالمشاركة مع السيطرة على الوزن وآليات إضافية.

أما بخصوص نمط الحياة، فقد يظهر حمل الأولاد الكثير حول التباين العالمي في خطر سرطان الثدي. يقول كي: ”ترى معدلات منخفضة في أجزاء من أفريقيا لأن النساء يبدأن الحمل منذ الصغر، ويرزقن بعدد من الأولاد، ويرضعهن من الثدي فترة طويلة“. ويقول: قد تنجم المعدلات المنخفضة، جزئياً، عن تبدلات بنيوية في نسيج الثدي وانخفاض عدد الخلايا الجذعية. ولكن يبدو أيضاً أن حمل الأولاد يخفض الخطر عند المرأة بإنقاص تعرضها للإستروجين.

WHO/Anuradha Sarup

يقول الدكتور فيليب لاندريجان، اختصاصي أطفال وعالم وبائيات في مركز مونت سيناي الطبي في نيويورك وخبير رائد في تأثيرات التعرض للمخاطر البيئية: ”كلما أبدت المرأة دورات طمثية خلال حياتها، كلما زاد خطر سرطان الثدي“. ”وكلما حمل عند المرأة، يعني هذا أنها لا تمر بتسع أو 10 دورات. وبما أننا نعلم أن النساء اللاتي يبلغن أبكر تحدث عندهن دورات طمثية أكثر، فإننا نقلق حول حقيقة أن الفتيات يلبغن حالياً أبكر بسنة أو سنتين مما كان معتاداً قبل جيل “.

ولهذا، يضيف لاندريجان، يمكن لوم النظام الغذائي نوعاً ما؛ فقد أظهرت الدراسات أن الفتيات زائدات الوزن أو السمان يملن للدخول في البلوغ باكراً.

وظهر أن معالجة إعاضة الهرمون ومانعات الحمل الفموية، وهي مصادر للإستروجين، عوامل خطر لسرطان الثدي.

يهتم لاندريجان وغيره من العلماء على وجه الخصوص حول مواد كيميائية تدعى المركبات المعطلة للصماوي EDCs. توجد في كثير من الأشياء، من مزيلات الروائح، واقيات الشمس، مستحضرات التجميل ومواد تعليب الأطعمة إلى المبيدات الحشرية والطبيقات السنية، وتبدو أنها تشبه أو تضخم أو تبدل أو حتى تحصر تأثيرات الإستروجين، والذي يقوم بين تأثيرات أخرى، بتنظيم توالي وتوقيت تطور الثدي.

وقد أحاط الجدل كثيراً بتأثير المركبات المعطلة للصماوي على صحة البشر، منذ أن أصبح الأثر المدمر للبيئة لمادة د.د.ت مثبتاً قبل 50 سنة، وتم منع المبيدات الحشرية في بلدان كثيرة. أنا بالنسبة لتأثير د.د.ت على خطر حدوث سرطان الثدي، فلازالت المعطيات الوبائية ملتبسة.

يقول الدكتور كورت شتريف، اختصاصي وبائيات يعمل في الوكالة الدولية للبحث المتعلق بالسرطان IARC والتابعة لمنظمة الصحة العالمية، ورئيس أحد دراساتها الطويلة الأمد حول تقييم مخاطر المسرطنات على البشر، وهو أشمل مصنف من نوعه في العالم: ”هذه أحد التحديات في المجال الأوسع الخاص بتحديد المسرطنات“.

”فما يعتبر عادة أقوى دليل على أن شيئاً ما يسبب السرطان عند البشر هي الدراسات الوبائية التي تظهر ترافقاً سببياً بين التعرض عند البشر والسرطان عندهم. وبالنظر إلى فترة التأخير المديد لبعض السرطانات، يبدو أنه لا يوجد دليل على زيادة خطر السرطان خلال السنوات 20 الأولى بعد التعرض الأول“. وبالفعل، فإن أغلب الدراسات الثلاثين أو زهائها والمتعلقة بالـ د.د.ت وخطر سرطان الثدي – هي مقارنات حالات من النسيج الجراحي، ودراسات استباقية تعتمد على عينات مصلية مجموعة من نساء في منتصف العمر أو بعده – تتشارك في محدوديتها الهامة.

في عام 2007، نشرت الدكتورة باربارة كوهن ومساعدوها في معهد الصحة العامة مشروع دراسة حول صحة ونماء الطفل موجودات دراسة استعملت عينات دم أخذت من شابات بين 1959 و1967، في ذروة استعمال د.د.ت في الولايات المتحدة. وجدت أن التعرض لمادة د.د.ت خلال الطفولة وبداية البلوغ ترافق مع خطر حدوث سرطان الثدي قبل عمر 50 سنة.

يقول لاندريجان: ”هذا مهم حقاً“، والذي شكل عمله حول تعرض الأطفال للرصاص في الولايات المتحدة الأساس العلمي للحظر الفيدرالي للدهان الرصاصي في السبعينات، ونزعه بعد ذلك من البنزين. ”هو عمل مَعْلَمي. فنحن نعرف من الدراسات السمية على الحيوانات أن كثيراً من المواد الكيميائية المختلفة يزيد خطر سرطان الثدي عند الحيوانات. ولكن هذا بالفعل أول كشف جيد لذلك الأمر عند البشر“.

راجعت لجنة من خبراء منظمة الصحة العالمية عدة دراسات، بما فيها دراسة أجراها كوهن وزملاؤه، واستنتجت في تقرير لها عام 2011،أن د.د.ت بالرش الثمالي داخل المنزل: الجوانب الصحية على البشر، بأن التعرض لـ د.د.ت ”لا يترافق عموماً مع سرطان الثدي“. وقد كشف التقرير: ”أن هناك بعض الدراسات الإيجابية، لكنها دحضت بعدد هائل من الدراسات السلبية“.

لم يتم إجراء أي من الدراسات في أجزاء متوطنة بالملاريا في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى أو آسيا، حيث مورس رش د.د.ت على نطاق واسع لقتل البعوض ناقل المرض.

حيث يقول شتريف من الوكالة الدولية للبحث المتعلق بالسرطان: ”يوجد دليل أقوى على أن عمل الورديات الذي يتضمن اختلالاً يومياً كعامل لإحداث سرطان الثدي أكثر من المواد الكيميائية“.

ويضيف: يتضمن عمل الورديات اختلال روتين النوم السوي، وهو ما يصنف حالياً على أنه ”المسرطن IARC 2A“، ما يعني أنه ربما يكون مسرطناً للبشر.

تم تعزيز هذا الرابط بدراسات نشرت حديثاً تقدم المزيد من الدعم على الترافق السببي، ويقول: ”مع انتشار عمل الورديات في المجتمعات الحديثة، قد يكون هذا عامل خطر هام على مستوى السكان“.

WHO/Pallava Bagla

وحسب كي في جامعة أوكسفورد: ”يمكن لمواد كيميائية مثل د.د.ت أن تكون هامة لكنها غير مثبتة. وهناك حاجة لمزيد من الدراسة. أما بالنسبة للنساء اللواتي يرغبن في إنقاص الخطر عندهن، فإن الأشياء التي يمكنهن التحكم بها وستقوم حتماً بإحداث فرق هي وزن الجسم واستهلاك الكحول“.

رغم ذلك، يدعو صندوق سرطان الثدي والنشاطات الأخرى إلى مقاربة وقائية لتنظيم الكيمياويات في الولايات المتحدة ويشجع على أنه لا يصرف ما يكفي على البحث لإيجاد طرق تمنع سرطان الثدي.

تقول الدكتورة جانيت غري، الكاتبة الأولى لطبعتي 2008 و2010 عن حالة البينة، وهو تقرير شامل ينشره صندوق سرطان الثدي، التابع لمجموعة استشارية تقيم في سان فرانسيسكو: ”يذهب أغلب التمويل لإيجاد شفاء“.

تقول غري: ”أريد إيجاد علاج. لكنني أفضل أن أمنع المرض، أن أمكن ذلك“، وتضيف: ”من الحَرِج تماماً أن نبدأ بالتفكير حول روابط بين التعرض للمواد الكيميائية البيئية والمرض كقضية صحية عامة. يجب أن يكون الهدف إنقاص التعرض، ومنع تطور الأمراض“.

شارك