مجلة منظمة الصحة العالمية

اختبار تشخيصي جديد يغير منظر السل

تذكر كلير كيتون في تقرير لها: أنطلق اختبار جديد للسل – يشمل أكثر الأنماط المقاومة له شيوعا – بسرعة قياسية، وكانت جنوب أفريقية هي المُنَفِّذ الأكبر. وتمثل معالجة الحالات الجديدة التحدي الأكبر حالياً.

أحدثت التقنية الجزيئية التي طُوِّرت أصلاً لكشف الجمرة الخبيثة في خدمة البريد في الولايات المتحدة ثورة في تشخيص السل، وخاصة في بلدان يشكل السل فيها سبباً شائعاً للموت بين المصابين بفيروس العوز المناعي البشري. وجهاز إكسبرت Xpert MTB/RIF اختبار آلي بالكامل سريع لتضخيم الحمض النووي – وهو أول اختراق رئيس في تشخيص السل منذ تطوير الفحص المجهري للطاخة القشع قبل أكثر من مائة سنة.

وعلى خلاف الفحص المجهري للطاخة القشع، والتي تتميز بحساسية ضعيفة عند إيجابيي فيروس العوز المناعي البشري، أو زرع القشع الذي يستغرق ثلاثة إلى أربعة أسابيع حتى يعطي النتائج أو فترة أطول ليعطي نتائج اختبارات التحسس للدواء، يكشف الاختبار الجديد خلال أقل من ساعتين المتفطرة السلية ومقاومتها للريفامبيسين الدواء شائع الاستعمال لمعالجة السل.

بدأ حوالي 77 بلداً إطلاق الاختبار الجديد، لكن أحداً لم يتبناه بحماس أكثر من جنوب أفريقية. فقد حصلت هذه البلد جنوب الصحراء الكبرى على 288 جهاز إكسبرت وأكثر من مليون خرطوشة اختبار للسل – مما يمثل 59% من الإمداد العالمي.

ويطلق وزير الصحة الدكتور هارون موتسواليدي على التقنية الجديدة على أنها ”مدفع بازوكا ضد السل،“ مستخدماً لغة عسكرية لوصف قدرتها في مساعدة البلد على محاربة وباء السل فيه. ويقول موتسواليدي: ” أصبحت المعالجة الباكرة ممكنة باستعمال النظام الجديد – ونحظى بفرصة أفضل للقضاء على هذا الوباء. فالسل مسؤول عن 80% من وفيات المصابين بالعوز المناعي البشري.“

الدكتور هارون موتسواليدي وزير الصحة في جنوب أفريقة يتحدث إلى تقني يعمل على آلات إكسبرت
الصورة بموافقة المختبر الصحي الوطني في جنوب أفريقية
الدكتور هارون موتسواليدي وزير الصحة في جنوب أفريقة يتحدث إلى تقني يعمل على آلات إكسبرت

حتى أن موتسواليدي أجرى أول اختبار على نفسه في مختبر مستشفى الأمير مشييني في مقاطعة كوازولو-ناتال في مارس (آذار) 2011. وتقول البروفيسورة ويندي ستيفنس: ”مع انتشار حملة التوعية بهذه التقنية، راجعنا أناس يقولون: ’نريد الاختبار الذي قال الوزير أنه جيد من أجل السل‛.“

وباعتباره رئيس برامج الأولوية الوطنية في خدمة المختبر الصحي الوطني في جوهانسبرغ، يتطلع ستيفنس إلى الإطلاق. ”لدينا حتى الآن 152 آلة منصبة وعاملة – لقد أنجزنا حتى الآن 60-70% من التغطية الوطنية – ونهدف إلى تجهيز 160 آلة إضافية بحلول نهاية 2013.“

وحتى يتم إجراء الاختبار الجديد، يقدم المرضى عينة قشع (سائل ينفث من الرئتين) كما يفعلون من أجل الفحص المجهري وطرق التشخيص بالزرع. تمزج العينة مع كاشف ويوضع المزيج في خرطوشة تدخل في مكان مناسب (مطبقية) في الآلة. ثم تظهر النتائج على شاشة حاسب.

تتفاوت آلات إكسبرت في جنوب أفريقية من 4، 8 و16 إلى 48 مطبقية، وستقوم الدولة بتجهيز نسخة من 80 مطبقية يمكنها أن تتعامل مع عدد يصل إلى 320 اختباراً في اليوم، وتعرف باللغة العامية الصناعية، باسم ”عالية الإنتاجية.“

تقنية في جنوب أفريقية تدخل خرطوشة تحتوي على عينة في آلة إكسبرت لإجراء الاختبار
الصورة بموافقة من مؤسسة التشخيص الإبداعي الجديد
تقنية في جنوب أفريقية تدخل خرطوشة تحتوي على عينة في آلة إكسبرت لإجراء الاختبار

يقول ستيفنس: ” بدأنا بميزانية تساوي الصفر، عندما بدأنا العمل، ووصلنا إلى 21.5 مليون دولار (190 مليون راند) خلال السنة الأولى من أجل الأجهزة والخراطيش والتدريب. ولدينا حالياً أموال مخصصة حتى عام 2016، وهو ما يغطي الميزانية السنوية الضرورية لإجراء الاختبار على كل جنوب أفريقي.“

ومنذ أن أدخلت جنوب أفريقية هذا الاختبار، تضاعف معدل تشخيص السل بين الأفراد الأعراضيين الذين يشاهدون في مراكز الرعاية الصحية الأولية من 9 إلى 16% تحديداً. وحوالي 7% من الحالات المثبتة المقاومة للريفامبيسين.

في الماضي، كان كثير من المرضى يضيعون عن المتابعة ويموت المرضى إيجابيو فيروس العوز المناعي البشري في انتظار نتائج اختباراتهم. وتقول الدكتورة فرانسيسكا دونرادي، رئيسة جميعة السريرين المختصين بفيروس العوز المناعي البشري في جنوب أفريقية: ”نقوم حالياً بالتشخيص والبدء بالمعالجة قبل أن يموت الشخص“.

السل المقاوم للدواء تحد رئيسي ليس فقط لأن المرضى يحتاجون للمعالجة بأدوية الخط الثاني غالية الثمن، والتي تتميز بتأثيرات جانبية أشد من أدوية الخط الأول، وتستغرق المعالجة 24 شهراً لحصول الشفاء. وعندما يكون هؤلاء المرضى مصابين بفيروس العوز المناعي البشري أيضاً، تضعف فرص بقائهم أحياء.

تقول الدكتورة كارين ويير، منسقة وحدة المختبرات، والتشخيص ومقاومة الدواء في منظمة الصحة العالمية: ”غالباً ما يعالج مرضى السل غير المعروفة مقاومتهم للريفامبيسين بأدوية الخط الأول التقليدية التي تكون أقل فعالية بوجود المقاومة للريفامبيسين، وقد يؤدي استعماله إلى مزيد من المقاومة. يجب ألا يحدث هذا مطلقاً في الدول التي تستخدم الاختبار التشخيصي الجديد.“

وتقول وييرز: ”يضيق اختبار إكسبرت الاحتمالات، لهذا فإننا نستطيع اكتشاف المصابين بسل يتحسس للأدوية ونعالجهم بطريقة مناسبة – هذه هي الغالبية العظمى – ونتعرف بسرعة على الذين يحملون مقاومة للريفامبيسين ويحتاجون لأدوية إضافية، بما فيها أدوية الخط الثاني،“ مضيفة أن إدخال الاختبار التشخيصي الجديد لا يعني أن البلدان يجب أن تبتعد عن خدمات الفحص المجهري التقليدي والزرع والتي تقول: ”أنها لازالت ضرورية لمراقبة المعالجة والتحقق من المقاومة للأدوية الأخرى غير الريفامبيسين.“

ورغم أن جنوب أفريقية هي المنفذ الأكبر في العالم للاختبار الجديد للسل، إلا أن الأرقام الحديثة لرقابة منظمة الصحة العالمية للتطور العالمي تظهر أن الصين والهند والفيليبين والاتحاد الروسي – والتي تحتوي على حوالي 60% من الحالات المعندة على الأدوية – قد طلبت آلات إكسبرت بإجمالي 404 وحدة قياس و131.820 خرطوشة MTB/RIF.

وتقول ويير: ”وبما أن الحالات المعندة تثبت بسرعة، سيكون التحدي التالي زيادة إتاحة أدوية الخط الثاني التي ستتم المعالجة بها،“ فقد تعلمت وزملاؤها دروساً هامة من إطلاق اختبار فيروس العوز المناعي البشري في بدايات العقد الأول من الألفية الثالثة عندما تم إثبات حالات كثيرة قبل أن تتاح المعالجة المضادة للفيروس القهقري على نطاق واسع.

تضيف ويير قائلة: ” قاد ذلك إلى حملة ناجحة لإتاحة المعالجة، والآن بعد عقد من الزمن، لم تعد ثغرة معالجة فيروس العوز المناعي البشري كبيرة جداً، علينا أن نتوقع كمية الأدوية التي ستكون ضرورية لبناء السعة السريرية المطلوبة لتجنب حالة يتقدم فيها التشخيص على إتاحة المعالجة وينتهي المرضى في قوائم انتظار طويلة.“

وبينما تلعب منظمة الصحة العالمية دوراً محورياً في إطلاق هذه التقنية، في مجالات السياسات وتطوير الدلائل، إلا أن مؤسسة التشخيصيات الإبداعية الجديدة FIND، وهي مؤسسة لاربحية مركزها جنيف تعمل على تحسين التشخيصيات في البلدان الفقيرة، وهي أول من أقر بإمكانية هذه التقنية في مكافحة السل.

طورت شركة سيفايد نظام إكسبرت عام 2002. مركزها سونيفال في الولايات المتحدة الأمريكية لاختبار الجمرة الخبيثة بعد سلسلة من هجمات تمت على خدمات البريد عام 2001.

وقد اتصلت مؤسسة التشخيصيات الإبداعية الجديدة مع شركة سيفايد، وانتهى ذلك إلى اتفاق تطوير مشترك مع الشركة، والتي تبنت فيما بعد تقنية تشخيص السل بشراكة مع كلية الطب البشري وطب الأسنان في جامعة نيوجيرسي وتمويل المعاهد الأمريكية الوطنية للصحة ومؤسسة بيل وميلاندا غيتس.

وفي المفاوضات التي توسطتها مؤسسة التشخيصيات الإبداعية الجديدة، وافقت شركة سيفايد على تقديم سعر تفضيلي لمقايسة إكسبرت MTB/RIF للقطاع العام في 145 بلداً. وتمت في البداية الموافقة على خفض 75% من سعر الآلات والخراطيش، بحيث يكلف الخرطوش الواحد 18 دولاراً أمريكياً فقط، أقل بكثير مما يكلف في القطاع الخاص (60-80 دولاراً أمريكياً).

ولكن حتى مع هذا الامتياز، بقي الاختبار بعيداً عن منال البلدان الفقيرة، مما دفع بمؤسسات حكومية أمريكية (مؤسسة المساعدات الأمريكية USAID و PEPFAR)، ومؤسسة بيل وميليندا غيتس ومنظمة التطوير الصحي UNITAID إلى التدخل. وهذا ما قاد إلى اتفاق مع شركة سيفايد في أغسطس (آب) 2012 إلى تخفيض قدره 40% في سعر الخرطوش إلى 9.98 دولار أمريكي لعدد 145 بلداً.

كما قدمت منظمة التطوير الصحي UNITAID 25.9 مليون دولار أمريكي لشراء 200 آلة إكسبرت و1.4 مليون خرطوشة إكسبرت MTB/RIF لعدد 21 من تلك البلدان التي تحمل عبئاً كبيراً نتيجة السل، والسل المقاومة لأدوية عديدة والعدوى المشتركة بالسل – فيروس العوز المناعي البشري. تقول ويير: يخطط مشروع إكسبرت السل TBXpert والذي يشرف عليه قسم مكافحة السل في منظمة الصحة العالمية، لإطلاق الاختبار الجديد في هذه البلدان مع تمويل إضافي للتنفيذ من مانحين عالميين خلال السنوات الثلاث القادمة.

وتضيف كونرادي: ”إكسبرت هو قطعة تقنية بالغة الذكاء – غير قواعد اللعبة بشكل مطلق – ولا أعتقد أن ذلك نهاية المشوار.“

شارك