مجلة منظمة الصحة العالمية

معالجة جديدة تعطي أملاً لمدمني العقاقير في شرق أفريقيا

جمهورية تنزانيا الإتحادية أول بلد أفريقي جنوب الصحراء الكبرى يطلق برنامج ميثادون وطني كجزء من معركته لمحاربة الوبائين التوأمين إدمان الهيروئين وعدوى فيروس العوز المناعي البشري. يذكر فومبوكا نج واناكيلالا في تقرير له.

استهوتها رائحة الهروئين. أم لثلاثة أطفال، كانت تعيش في حي فقير من أحياء العاصمة التجارية لتنزانيا، دار السلام، كانت تبيع دواء يسبب قدراً عالياً من الإدمان لصديقها الموزع. وتقول المرأة: ”بدأت أتوق إلى رائحة الهيروين وبدأت استعماله ببطء“. طلبت إحالتها إلى مؤسسة "أمل." وبسبب تنبهها إلى مخاطر انتقال فيروس العوز المناعي البشري عبر التشارك في المحاقن، اشترت محاقن من الصيدلي وخبأتها لاستعمالها الخاص، لكن أصدقاءها اكتشفوا مكانها. وتقول: ”سيستخدمون هذه المحاقن ويرجعونها بعناية إلى المكان الذي خبأتها فيه،“ ”وهكذا انتهيت إلى الإصابة [بعدوى فيروس العوز المناعي البشري].“

Fumbuka Ng'wanakilala

وفي محاولة يائسة للإقلاع عن الدواء الذي كان يحطم حياتها، والمعالجة المتاحة الوحيدة للأمل عبر النظام الصحي للبلد هو الإيقاف الفجائي تحت رقابة مستشفى عام أو خاص. وقد دفعت 70.000 شيلنغ تنزاني (44 دولار أمريكي) لفترة قاسية لمعالجة أعراض السحب التي كانت لاتطاق – ثم عادت إلى حقن الهيروئين بعد أسبوع. وفي عام 2011، بدأ عمال مجتمعيون إيصاليون في جوارها الحديث عن عيادة جديدة في أكبر مستشفى تحويل في البلد، مستشفى موهيمبيلي الوطني في دار السلام.

كانت العيادة جزءاً من برنامج جديد للميثادون، أول برنامج وطني مشابه في الجزء الرئيسي من صحراء أفريقيا لمعالجة إدمان الهيروئين. وقد أطلقت جزيرة موريشيوس ذلك البرنامج عام 2006.

وعلى خلاف مقاربة الامتناع، يقدم البرنامج التنزاني للمرضى معالجة صيانة بالميثادون والرعاية الأخرى التي قد يحتاجونها، كجزء من إضمامة شاملة من خدمات للبشر المدمنين على المخدرات حقناً. فالميثادون دواء لا يحقن، لكنه يؤخذ على شكل شراب، فيلغي مخاطر حقن الدواء المحظور من نوعية غير معروفة وربما كانت مشكوكة بمحاقن وسخة. يعمل على حصر تأثيرات الأفيونات الأخرى، وهكذا ينقص الرغبة فيها.

كانت الدكتورة جيسي مبوامبو مفيدة في إتاحة الميثادون في مستشفى موهيمبيلي الوطني، حيث كانت تعمل كطبيبة نفسانية استشارية قديمة. تقول إن برنامج الميثادون قد نما أكثر من العمل الذي قام به قسم الأمراض النفسية والصحة العقلية الموجود هناك، وخاصة من قبل البروفيسور جاد كيلونزو، وأنه جذب إليه خبراء كدوغلاس بروس، أستاذ مساعد في الطب في قسم الأمراض العدوائية في كلية الطب جامعة يال، والمستشار الأول لإنقاص الأذى لمؤسسة بانجيا العالمية للإيدز.

البرنامج التنزاني المُمَوَّل من خطة طوارئ الرئيس الأمريكي لمحاربة الإيدز هو استجابة في البلد لوباء متزايد لمدمنين على المخدرات حقناً، وخاصة الهيروين، وهو ما كان يساهم في وباء فيروس العوز المناعي في البلد. تقول مبوامبو: ”قبل الدراسة السريعة لتقييم حالة خمس مناطق، أجريت خلال أولى سنوات الألفية الثالثة، وجد افتراض عام أن الإدمان على العقار حقناً لم يكن مشكلة كبيرة في بلدنا، لكنه شيئ كان الغرباء يقومون به.“

غيرت الدراسة مفاهيم شاعت على نطاق واسع، فبينما احتد الشعور بما يمكن للوباء أن يؤثر في انتشار فيروس العوز المناعي البشري بممارسات تقشعر لها الأبدان مثل "ومضة الدم" حيث يحقن أحد المدمنين الهيروئين في دمه ثم يسحب محقنة مليئة بدمه أو دمها ليعطيها لمستخدم آخر، لا يستطيع دفع ثمن حقنة الهيروئين.

لا توجد تقديرات رسمية عن عدد الذين يحقنون العقاقير في هذا البلد الأفريقي الشرقي الذي يعد حوالي 45 مليون إنسان، ولكن كثيراً ما يعتقد بوجود رقم تقريبي بين 25.000 و40.000. وحسب مبوامبو، بشكل متحفظ، يوجد حوالي 15.000 إنسان مدمن على المخدرات حقناً في دار السلام وحدها؛ يستعمل أغلبهم الهيروين.

بدأت كميات كبيرة من الهيروئين في الوصول إلى الساحل الشرقي لأفريقيا في نهاية التسعينات، عندما انتقل المهربون من طرقهم البرية التقليدية من آسيا إلى الطريق البحري عبر المحيط الهندي. وحسب مكتب الأمم المتحدة حول العقاقير والجريمة، يشكل شرق أفريقية ”جاذباً لمجموعات نقل العقاقير دولياً لأنهم يستطيعون الادعاء سريعاً بعدم فعل ذلك أو وجود رقابة حدودية غير فعالة (في الأرض والبحر والسماء)، وتعاون محدود إقليمي وعبر الحدود إضافة إلى قصورات خطيرة في النظم القضائية الجنائية.“

البشر الذين يستخدمون العقاقير المحظورة حقناً معرضون لخطر عال للعدوى بفيروس العوز المناعي البشري ونقل العدوى لآخرين. تصل التقديرات الحالية لجمهورية تنزانيا المتحدة لانتشار فيروس العوز المناعي البشري في المجموع العام للسكان حوالي 5.6%، ولكن حسب مبوامبو، تظهر الدراسات أن 42% من المدمنين حقناً في دار السلام كانوا إيجابيي فيروس العوز المناعي البشري. وتقول: ”كشفت إحدى الدراسات على الدم الثمالي المأخوذ من محاقن استخدمات لحقن العقار أن 57.4% من المحاقن كانت إيجابية فيروس العوز المناعي البشري،“ ملاحظة أن الانتشار العالي لفيروس العوز المناعي البشري بين مدمني العقاقير له بدوره تداعيات خطيرة على السكان عموماً.

وقد قامت منظمة محلية لاحكومية، تدعى المتطوعون الشباب ضد السلوك الخطر، بمواجهة التحدي. حيث عملت من مكتب صغير في كينوندوني، وهو ريف فقير موطن كثير من مدمني العقاقير، حيث ذهب عمال مجتمعيون إيصاليون إلى الأماكن التي يجتمع فيها مدمنو العقاقير، مقدمين لهم أبر ومحاقن نظيفة، وعتائد لتنظيف عدة الحقن الخاصة بهم.

وكانوا يخبرون مستخدمي العقاقير حقناً عن المعالجة المجانية لإدمان الهيروين، ويحولون الأشخاص الراغبين والمرشحين لها إلى عيادة المعالجة بالميثادون في مستشفى موهيمبيلي. ويقول سلاما كيباو، أحد الموظفين الاجتماعيين الثلاثة عشرة المستقرين في المقاطعة التي تدعم مستخدمي العقاقير وعائلاتهم بتقديم المشورة لمن يحتاجون إليها: ”يملك معظم مدمنو المخدرات حقناً علاقات متوترة مع عائلاتهم ومع المجتمع نتيجة إدمانهم العقاقير، ونحن نواصل العمل معهم عند يصبحون على برنامج الميثادون لمساعدتهم في إعادة بناء حيواتهم المتناثرة.“

اختيرت موهيمبيلي كأول موقع لبرنامج الميثادون الوطني لأنه يملك أفضل فريق ماهر طبي ومختبري وصيدلاني، لكنه لازال بحاجة للتحديث حتى يخدم الهدف، ويشمل ذلك التحديث بناء صيدلية محصنة تجاه اللصوص.

كان الهدف الأولي للمؤسسة معالجة حوالي 175 مريضاً، ولكن تم في النهاية إدخال عدد وصل إلى حوالي ثلاثة أضعاف، وبحلول نوفمبر 2012، كان هناك أكثر من 600 شخص يتلقون المعالجة. يتراوح عمر المرضى بين 16 و52 سنة، معظمهم من خلفيات فقيرة. وتم افتتاح مركز آخر للمعالجة بالميثادون في مستشفى موانانيامالا في دار السلام في سبتمبر العام الماضي، ويتوقع إدراج حتى 1200 مريض. والهدف في المستقبل افتتاح 3 مراكز إضافية في المنطقة بحلول نهاية عام 2013.

باستخدام ممرضتين، وعاملين اجتماعيين، وثمانية أطباء، وأربع صيادلة، يقدم مركز موهيمبيلي الميثادون للمرضى على أساس يومي، كما يقدم لهم في نفس الوقت أدويتهم اليومية للمشكلات الصحية الأخرى كفيروس العوز المناعي البشري، والسل، والإصابات والمشكلات السنية. يراقب الفريق الطبي الجرعات، مع اتباع تعليمات منظمة الصحة العالمية والمعايير الدولية الأخرى. ومن جهتهم، يجب أن يلتزم المرضى بخطة المعالجة، والتي تتضمن الامتناع عن الكحول وعن استعمال العقاقير المحظورة.

يقول الدكتور نيكولاس كلارك، موظف طبي في وحدة إدارة الإدمان على المخدرات في المكتب الرئيسي لمنظمة الصحة العالمية في جنيف: ”هذا النموذج المتكامل من المعالجة هو ما ننصح به في كل أنحاء العالم في مواجهة الأوبئة المشتركة للاعتماد على الأفيونات، وفيروس العوز المناعي البشري والسل“. ”معدل نجاح هذه المعالجة عال جداً.“ ويؤكد كلارك على أن المقاربة تتضمن إمكانية هائلة غير مختبرة: ”فيروس العوز المناعي البشري عند مستخدمي الأفيون قابل بصورة كاملة للاتقاء والمعالجة، ومع ذلك يقدر عالمياً أن 5% فقط من مستخدمي الأفيون ويحتاجون معالجة فيروس العوز المناعي البشري يتلقونها.“

Fumbuka Ng'wanakilala

من المبكر القول ما إذا كان البرنامج قد أنقص أو منع فعلاً عدوى فيروس العوز المناعي البشري عند 15.000 من البشر المدمنين على العقاقير حقناً في دار السلام. تقول مبوامبو: من الضروري جمع معطيات سنتين للتأكد من ذلك. ولكن الحالة العامة لمرضاها قد تحسنت بصورة جيدة، وتقول، أنهم قد أنقصوا تناولهم للعقاقير الأخرى والكحول. ونتيجة ذلك، عاد بعض المرضى إلى أعمالهم أو جامعاتهم أو أدرجوا في صفوف تعليم الأمية. كما وجد آخرون عملاً في طلاء أبنية العيادة والبستنة في أراضي المستشفى.

تبقى بالطبع تحديات تشمل صعوبات متوقعة في التزام المرضى بخطة المعالجة المتفق عليها. ويناضل المرضى لإيجاد مأوى، وأعمال والحصول على تعليم أو البقاء في المدرسة أو الجامعة، إضافة إلى تغطية نفقات الانتقال اليومية للوصول إلى العيادة والعودة إلى المنزل لأن كثيراً منهم يعيش تحت خط الفقر.

بدأت الاستجابة التنزانية للوباء المزدوج تواً فقط. وتقول مبوامبو: ”نريد حملات إعلامية حكومية تحذر البشر حول مخاطر العقاقير المحظورة.“

تهتم مبوامبو على وجه الخصوص في أن أقل من 50 مريضاً من 606 يخضع للمعالجة بالميثادون في موهيمبيلي هن من النساء. ”النساء مجموعة من السكان يصعب الوصول إليها وهذا أمر مقلق بسبب المعدلات العالية لعدوى فيروس العوز المناعي البشري“. إذ يعتقد أن انتشار فيروس العوز المناعي البشري بين النساء اللاتي يتعاطين العقاقير حقناً أكثر بثلاث مرات من الذكور، رغم أن سبب هذا غير معروف تماماً. وتقول مبوامبو: ”هناك حاجة للتفكير في طرق للوصول بصورة أكثر فعالية إلى نساء يحتجن إلى خدمات الميثادون.“

وبعد أكثر من سنة من المعالجة بالميثادون، تشعر مؤسسة أمل (هوب) أنها تقوم بالسيطرة على حياتها من جديد، وليس لديها شك حول قيمة المعالجة. وتقول: ”يقول بعض الناس أن الميثادون يسبب ببساطة مزيداً من الإدمان. وأنا أؤكد لهم بأن المعالجة بالميثادون مفيدة حقاً.“ فقد يكون تغيير العوامل الاجتماعية الاقتصادية والجغرافية السياسية التي تقود وباء فيروس العوز المناعي البشري – الهيروئين في البلد، أكثر صعوبة.

شارك