مجلة منظمة الصحة العالمية

تحوُّلُ تُركيَّا

يذكر باتريك أدامز في تقريره: بعد ثلاث سنوات فقط من تبني إجراءات رادعة مناهضة للتدخين، انخفض استهلاك تركيا من التبغ 15% وأصبح الإقلاع رائعاً.

عندما ترأس رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان اجتماعاً للبرنامج الوطني لمكافحة التبغ في ديسمبر (كانون أول) 2007، لم تخنه الكلمات. ”الصراع ضد استعمال منتجات التبغ أصبح هاماً كمكافحتنا للإرهاب،‟ هذا ما قاله للمشاهدين المتجمعين في ردهة فندق شيراتون أنقرة. وقال: ”تلك المنتجات تقوم حرفياً بقتل أجيال مستقبلنا‟.

كان أردوغان غير مدخن، كواحد من قلة من رجال تركيا ذلك الوقت. وحسب مسح حكومي لاستعمال التبغ أجري في 2006، كان 33% من الكهول مدخنين يومياً، يشملون أكثر من نصف الرجال وحوالي 16% من النساء بعمر 18 عاماً فما فوق. وفي السنة التالية أجري تقييم للرأي العام في 100 دولة، أفاد أن رجلين بين كل 3 رجال في تركيا قد أشعلوا سيجارة خلال النهار الذي تم فيه استقصاؤهم، وامرأة واحدة بين كل ثلاث نساء. وهكذا أشار التقييم: ”هو أعلى انتشار تم تسجيله‟. وهذا ما أثبت مقولة تنطوي على نموذج نمطي شائع في الدول الأوروبية: ”أن تدخن كثيراً، أي أن تدخن كتركي‟.

بعد ثلاثة أسابيع، وقع رئيس الوزراء قانون حظر التدخين في جميع الأماكن العامة المغلقة.

لقد وقع أول قانون لمكافحة التبغ في تركيا في عام 1996، وفي عام 2004 صدق البرلمان التركي على اتفاقية منظمة الصحة العالمية الإطارية بشأن مكافحة التبغ WHO FCTC، ملتزماً ببنودها، هذا ما شرحه توكر إرجودر، مدير برنامج مكافحة التبغ في مكتب منظمة الصحة العالمية في تركيا.

تم إثر ذلك، تأسيس وحدة خاصة في وزارة الصحة، مهمتها شرح البرنامج الوطني لمكافحة التبغ ووضع خطة عمل. وفي عام 2008، تم تمرير تشريع إضافي لمكافحة التبغ، جعل الأماكن المغلقة خالية من التدخين 100%، بما فيها قطاع الضيافة والسياحة. وهو ما عنى أنه واحد من أكثر إجراءات مكافحة التبغ صرامة في العالم، بالتوازي مع دول مثل إيرلندا والمملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وإيرلندا الشمالية.

يقول توكر: ”النجاح الرئيسي لسياسات مكافحة التبغ أن المقاربة الحكومية الشاملة التي قادها أردوغان والتعاون القوي بين جميع القطاعات من قبل وزير الصحة، ريسيب أكداج، هو مقارعة وباء التبغ. كما كان لرئيس اللجنة البرلمانية للصحة، كيفديت إيردول، دوراً رئيسياً في تحضير وتبني قوانين مكافحة التبغ.‟

Patrick Adams

تمرير تشريع ما شيء، لكن فرضه شيء آخر مختلف تماماً. أما بالنسبة لوعد إحداث التغيير، شكك كثيرون بأن يكون للقانون أثر على ثقافة التدخين في دولة ثقافة التدخين فيها قوية كتركيا. أما الآن، بعد حوالي 3 سنوات من ممارسة الحظر، عبر الأتراك والسياح على حد السواء عن دهشتهم من القبول الواسع والدرجة التي طبق بها أصحاب المطاعم والحانات القوانين الجديدة.

ويقول سارب أوتشاك، ”لم أتخيل مطلقاً أنهم سيطبقون الحظر بالطريقة التي تمت‟، وهو تاجر أسهم مع سيتي بانك في اسطنبول، مدينة معظم المدخنين الأتراك البالغين 16 مليوناً، بين سكان تركيا البالغين 74 مليوناً. ”لا أحب هذه الحكومة فعلاً، ولكن تهنئتها واجبة علي. فلاتزال بعض المطاعم والحانات لا تمتثل للقوانين، لكنها قليلة جداً. وحالياً يقوم كثير من أصدقائي بالإقلاع عن التدخين.‟ ويتابع أوتشاك. ”أنا أحاول مرة ثانية، أريد الإقلاع.‟

تقول إليف داغلي، رئيسة التحالف الوطني حول التبغ أو الصحة، وهي مجموعة من المجتمع المدني تكونت عام 1995 للعمل لصالح أول قانون في الدولة ضد التبغ وأحد الناشطات الأوائل في تأمين الدعم لاتفاقية منظمة الصحة العالمية الإطارية بشأن مكافحة التبغ. ”لم تعمل فقط على تخفيض نسبة الاستهلاك، لكنها أدت أيضاً إلى تغيير الرأي العام‟. وأردفت ”لقد كان ذلك التغيير – ليس كالتغير ’المناخي‘ الذي يكون خفيفاً جداً، لكنه كتبديل الدين، لقد كان مدهشاً؛ فقد اعتقد الجميع أنه سيلقى احتجاجاً، ولكن الجميع بدأ بالإقلاع.‟

لم يحدث تحول تركيا بليلة واحدة. ولكن بعد تمرير الحظر، بدأت في الواقع معركة منذ حوالي 20 عاماً مضى – بين الصناعة والناشطين – استمرت بلاهوادة. حيث تقول داغلي: ”اعتقدت صناعة التبغ، حسناً، لدينا 18 شهراً لإبطال هذا،‟. ”قالوا إن مراكز التسوق ستفلس، والمطاعم ستخسر المال، وأشياء كهذه. لكننا، مجتمعات المنظمات غير الحكومية، جمعنا كل الأدلة‟ - من فرنسا، إيرلندا وإيطاليا - ”بأن هذا لن يحدث. وأوصلنا هذه المعلومات إلى المسؤولين الحكوميين والعامة. لقد عملنا نوعاً ما على تلقيحهم في مواجهة حجج الصناعة.‟

رغم ذلك، لم تكن الصناعة وحدها، هي من تواجهها داغلي وزملاؤها. ”كنا نحارب وسائط الدعاية، أيضاً‟ إذ أضافت تنوه إلى اعتماد الصحف على عوائد دعاية التبغ كسبب رئيسي لمعارضتها لقانون 1996. ”فبطريقة ما، كنا فعلياً نروِّج للتبغ عندما عقدنا مؤتمراً صحفياً لأن الصحف دعت شركات التبغ وقالت ’انظروا هؤلاء الأفراد الصحيون ينظمون اجتماعاً، هل تريدون شراء إعلان في نفس الصفحة؟‘ وفي اليوم الثاني، كانت هناك بضعة أسطر عنا مقابل دعاية رجل مارلبورو.‟

ساعد ذلك الرمز الدعائي ونظيره الجمل في منتصف الثمانينات على ارتفاع معدلات استهلاك تركيا للتبغ بصورة حادة، يقول نظمي بيلير، أستاذ الصحة العامة في جامعة حاسيتيب في أنقرة. ويضيف أنه خلال العقدين اللاحقين ”ازداد استعمال التبغ في تركيا إلى الضعف تقريباً‟، مع ارتفاع مبيعات السجائر من 98 بليون ليرة تركية تحديداً (55 بليون دولار أمريكي) إلى أكثر من 178 بليون ليرة تركية (100 بليون دولار أمريكي) عام 2000. لقد كانت هذه النزعة جلية في المعطيات الصحية: فمن الملايين الخمسة لمرضى دخلوا المستشفيات في تركيا عام 2000، 20% منهم كانوا مصابين بمرض ناجم عن التدخين، وكانت تلك الأمراض – الحالات القلبية الوعائية بصورة رئيسية – مسؤولة عن أكثر من نصف وفيات المستشفيات.

تقول بيلير: ”حسب تقديرنا، يتم إنفاق حوالي 20 بليون دولار أمريكي كل سنة في تشخيص ومعالجة المشكلات الصحية الناجمة عن استعمال التبغ‟، وأضافت أن المدخنين أنفسهم ينفقون 20 بليون دولار إضافية أخرى على شراء السجائر. وفي الواقع، أظهر المسح العالمي للتبغ عند البالغين والذي أجرته منظمة الصحة العالمية عام 2010، أن المدخنين في تركيا ينفقون حوالي 86.7 ليرة تركية كل شهر، أي حوالي 12.7% من ”الحد الأدنى للأجور في تركيا‟.

ورغم أن القانون الجديد يبدو أنه قد كبح التكاليف. إلا أن دراسة حديثة قامت بها بيلير وزملاؤها في قبولات أقسام الإسعاف في أنقرة أظهرت انخفاضاً حاداً في المشكلات الصحية الحادة الناجمة عن استخدام التبغ. وعند المقارنة مع معطيات سابقة قبل نفاذ حظر التدخين، فإنها تقول: ”وجدنا انخفاضاً قدره 10-12% في هذه الحالات.‟

ولكن إلام يعزو بيلير هذا الانقلاب بعيد الاحتمال في تركيا؟ ”بالنسبة لي هو الالتزام السياسي للحكومة،‟ ويضيف ”هي حكومة قوية جداً، ورئيس الوزراء ووزير الصحة ورئيس اللجنة الصحية في البرلمان – هؤلاء أشخاص جد ملتزمون.‟ ورغم ذلك، لم يكن ليحصل شيء أبداً دون حركة المجتمع المدني القوية. ”لقد عملنا بشكل وثيق جداً مع الحكومة والبرلمان وزودناهم بالمعطيات العلمية.‟

Toker Erguder

وتأكيداً على ذلك الشعار، أشاد السيد تيزير كوتلوك، رئيس الجمعية التركية لأبحاث السرطان ومكافحته بالدور النقدي لرئيس مجلس الوزراء في تقرير المعركة الخاصة بالهواء الذي يتنفسه الأتراك – صراع داوود وجالوت بين الاتحاد التزاوجي للمنظمات غير الحكومية الصغيرة والحاسمة في الوقت ذاته في مواجهة عمالقة التبغ ذات القبضة القوية على السوق التركية. ”كنا محظوظين أنه دعم القانون،‟ هو ما صرح به كوتلوك. ”لكن المنظمات اللاحكومية أصبحت حالياً أكثر قوة مما كانت في الماضي. ولن نتوقف عن النضال. ولن توجد أي فرصة لشركات التبغ في المستقبل. ليس في تركيا.‟

لقد كانت مكافحة التبغ في تركيا، جهداً متعدد المؤسسات، مع اشتراك عدد من المنظمات الرئيسية. هذه المقاربة هي ما أدى لهذا التغير في تركيا.

وقال دوغلاس بيتشر، مدير مبادرة التحرر من التبغ في منظمة الصحة العالمية، ”أصبحت تركيا نموذجاً للالتزام السياسي والرغبة في إبعاد جائحة التبغ وحماية المواطنين من هذا العقار السام. لقد كان هدف جعل تركيا متحررة من التبغ طريقاً إلى النجاح ، إضافة إلى التحديات.‟

شارك