مجلة منظمة الصحة العالمية

معالجة الناسور

تنبئ الدلائل الإرشادية الجديدة الخاصة بالتدبير السريري بحصائل علاجية أفضل للنساء المصابات بناسور الولادة، غير أنه لا يزال الأمر يتطلب بذل مزيد من الجهود من أجل منع هذه الحالة المرضية الموهنة في المقام الأول؛ كتبت فيليسيتي تومسون من سيراليون.

منظمة الصحة العالمية / فيليسيتي تومسون
أليونا لويس، الطبيبة الوحيدة المتخصصة في جراحات الناسور في سيراليون، تتحدث إلى إحدى الشابات في مركز أبيردين للمرأة بالعاصمة، فريتاون.

أنجبت زينب جاباتي (وهو اسمها المستعار) ولدها الأول وهي في سن السادسة عشرة. وذلك أمر غير مستغرب بالنسبة لفتاة مراهقة في ريف سيراليون. وقد نشأت زينب في قرية صغيرة جداً على الأطراف النائية لجزرة تطوّقها أشجار المانجروف على الساحل الجنوبي لسيراليون، وكانت بذلك على مسافة يومين سفر بحراً بالقارب عن أقرب عيادة طبية. ولما جاءها المخاض، كانت أمها في زيارة لأحد أقربائها أصابته وعكة صحية، فحملتها إحدى جاراتها إلى "الشجرة المقدسة" لكي تلد هناك. وظلت هناك ثلاثة أيام بينما تحاول المرأة أن تحرّض المخاض بالجلوس على بطنها وبسحب الوليد بقوة. ولم يكن غريباً أن تبؤ تلك المحاولة بالفشل. وتتذكر زينب قائلة: "لقد كان الوليد ميتاً عندما خرج من بطني".

وبرغم فظاعة هذه التجربة، فلم يكن فقدان الوليد سوى بداية المشاكل التي واجهت زينب، فقد أصيبت بناسور الولادة، وهو اتصال المهبل والرحم و/أو الأمعاء الغليظة. وهي حالة ينجم عنها سلس مزمن. ويأتي ناسور الولادة في الأغلب عقب ولادة مطوّلة ومتعسرة وعادة ما يصيب السيدات من الفئات الأشد فقراً وغير المتعلمات اللاتي يعشن في المناطق الريفية ببعض البلدان التي تتدنى فيها جودة الرعاية التوليدية والتي تلجأ السيدات بها لأن يضعن حملهن في بيوتهن.

وبدون المعالجة السليمة، قد تدخل السيدات المصابات بناسور الولادة في معاناة طويلة الأمد ويعجزن عن التحكم في إخراج البول أو البراز. ويجد هؤلاء النساء أنفسهن، نتيجة هجر أزواجهن وأسرهن لهن، منبوذات من المجتمع. فالفتيات منهن يتركن المدارس والسيدات لا يقدرن على العمل أو تصبح بعض الأمور البسيطة، مثل ركوب الحافلات بمثابة مشكلات معضلة بسبب الروائح المنبعثة منهن. بل وتتذكر زينب: "إن الناس لم يكونوا يلقون عليّ السلام". "كما أن الرجال لم يكونوا يرغبونني. لقد كان الأمر صعباً جداً لدرجة أنني لم يكن لدي أي أصدقاء".

هناك نقص في المعطيات الخاصة بمعدلات وقوع وانتشار ناسور الولادة، غير أن تقديرات صندوق الأمم المتحدة للسكان تشير إلى أنه ما بين 2 و4 ملايين امرأة يعانين من ناسور الولادة في البلدان المنخفضة الدخل في أفريقيا وجنوب شرق أسيا والشرق الأوسط، إلى جانب ما بين 50 و100 ألف امرأة وفتاة يصبن بهذا الداء كل عام. وتقول ماريانا فيدمر، بإدارة بحوث الصحة الإنجابية بمنظمة الصحة العالمية، أن الوصم الاجتماعي وسوء الفهم النابع عنه قد أدّى إلى قصور شديد في التبليغ عن هذه حالات الناسور، ومن ثم أصبح هذا الداء من الحالات المرضية غير المعلنة.

منظمة الصحة العالمية / فيليسيتي تومسون
ماري سيزاي من إحدى القرى النائية بشمال سيراليون، وهي تعمل من أجل رفع مستوى الوعي في مجتمعها المحلي حول داء الناسور

ويتولى صندوق الأمم المتحدة للسكان إدارة حملة القضاء على الناسور، بجانب الفريق العامل الدولي المعني بناسور الولادة، وهو هيئة اتخاذ القرار بالحملة ويتألف من 60 وكالة وطنية ودولية تتعاون فيما بينها في شتى الجوانب المتعلقة بالناسور بما في ذلك الوقاية والمعالجة وإعادة الإدماج في المجتمع والتأهيل. وقد بدأت الحملة أنشطتها عام 2003، وقامت، على حد قول جيليان سلينجر، منسقة الحملة بصندوق السكان، ببذل جهود كبيرة في رفع مستوى الوعي حول هذه الحالة المرضية.

وهناك تحسن كذلك في درجة فهمنا لناسور الولادة بالتوازي مع الانتهاء من بعض الدراسات، ومن بينها مراجعة الأدبيات المؤلفة حول معدلات انتشار ووقوع الناسور على مستوى العالم التي تجريها كلية لندن للصحة والطب المداري. وتقوم كلية جون هوبكينز بلومبيرغ للصحة العمومية بالإشراف على دراسة متعددة البلدان للبحث في توقعات سير المرض بعد العمليات والحصائل طويلة الأمد لحالات ناسور الولادة بعد إجراء الجراحة، ذلك فضلا عن التحسن في الصورة السريرية (الإكلينيكية) الخاصة بهذا الداء. وتقوم إنجندر هيلث، وهي منظمة أمريكية غير هادفة للربح معنية بالصحة الإنجابية، ومنظمة الصحة العالمية، بتنسيق التجربة العشوائية الضابطة لدراسة التدبير باستخدام القسطرة لدى مرضى الناسور في المرحلة اللاحقة لإجراء العمليات. كما قامت منظمة الصحة العالمية مؤخراً بإعداد الدلائل الإرشادية السريرية (الإكلينيكية) لناسور الولادة، بينما قام الاتحاد الدولي لأمراض النساء والتوليد والجمعية الدولية لجراحي ناسور الولادة وغيرهما من الشركاء بنشر الدلائل الإرشادية الأولى الخاصة بجراحة إصلاح الناسور.

وفي مركز أبيردين للمرأة بمدينة فريتاون، تقوم أليونا لويس، الجرَّاحة الوحيدة في سيراليون المتخصصة في جراحات الناسور، حالياً باستخدام دليل تدريبي جديد لجراحي الناسور في تدريب جرّاحة ثانية لجراحات إصلاح ناسور الولادة في سيراليون ومعالجته. وتأمل أليونا لويس أن تصبح هذه الطبيبة المتدربة قادراً على تحمل المسؤولية. وتقول: "إن الأمر لا يقتصر على نقل المهارات فقط، بل يجب أن أتيح للجرَاحة المتدربة أن الفرصة لكي تنمي شعوراً بالشفقة والحب والتعاطف، حتى لا تنظر إلى المريض من وجهة نظر واحدة فقط، بل لأن تراه كإنسان في المقام الأول."

ويقول ستيف أروسميث، جرَاح عمل على داء الناسور على المستوى الدولي طوال الخمس والعشرين سنة الماضية، ويقوم حالياً بتدريب الجراحين في مجال جراحات الناسور على متن السفينة أفريكا ميرسي، أي رحمة أفريقيا، وهي سفينة تجوب مواني غرب أفريقيا مقدمةَ الرعاية الطبية، يقول أنه من الصعب أن تجد جراحين ذوي خبرة عالية في مجال الجراحة، ولديهم في الوقت ذاته الباعث على ممارسة العمل في البلدان الفقيرة بالموارد. وهو ما يؤدي، على حد قوله، إلى فشل عمليات إصلاح الناسور. ويقول: "برغم أن الجميع يأملون في عكس ذلك، يعد إصلاح الناسور من الجراحات الصعبة حيث تجمع بين تخصصات جراحية عدة، ما بين جراحة المسالك البولية وجراحة التجميل وجراحة القولون والمستقيم وطب النساء،" مشيراً إلى أن مزيداً من النساء يَعُدْن بشكاوى عقب إجراء العمليات، مما يفيد بأن عمليات إصلاح الناسور تجرى على يد أطباء غير مؤهلين.

منظمة الصحة العالمية / فيليسيتي تومسون
سيدات يحتفلن بنجاح جراحة إصلاح ناسور الولادة في مركز أبيردين للمرأة، بالعاصمة فريتاون.

ومع ضرورة تمتع النساء والفتيات بإمكانية الحصول على خدمات المعالجة، يتفق الخبراء على أن التركيز، فيما يتعلق بالسياسة المعنية بناسور الولادة، ينبغي أن يَنْصب على جهود الوقاية. فالغالبية العظمى من حالات ناسور الولادة تحدث عندما يكون هناك عجز في أخصائيي التوليد المهرة أو غياب الرعاية التوليدية الطارئة، التي تعد من أكبر العوامل المساهمة في وفيات الأمومة. وتقول ريجينا باشتاقي، المديرة القطرية لمؤسسة هيلث بافرتي أكشن Health Poverty Action في سيراليون: "إذا حصلت المرأة على الرعاية التوليدية على النحو السليم، فلن تصاب بأي ناسور،" وترى ريجينا باشتاقي أن ناسور الولادة هو إحدى الحالات النفاسية التي يمكن القضاء عليها إذا تم حل المشكلات الصحية الرئيسية للأمهات. وبالطبع فإن حل هذه المشكلات ليس بالمهمة السهلة ويتطلب جهود حثيثة من جانب الحكومات، والأمر نفسه ينطبق على الوقاية من الناسور ذاته.

وتقول جيليان سلينجر أن حملة القضاء على الناسور تسعى إلى حث الحكومات على مزيدٍ من المشاركة في جهود القضاء على ناسور الولادة، وعلى الأخص من خلال تشجيع تلك الحكومات، ولاسيما وزارات الصحة، على ضمان تنفيذ استراتيجية وطنية بشأن ناسور الولادة في إطار الخطة الوطنية المعنية بالصحة الجنسية والإنجابية. وتردف قائلة: "هناك عنصر أساسي آخر يتمثل التأكد من وجود فريق عامل وطني معني بالناسور بقيادة وزير الصحة، بحيث يضم الفريق منظمات شريكة تعمل على جميع الجوانب المتعلقة بالناسور في كل بلد من البلدان المتضررة." وحتى الآن كانت النتائج متداخلة؛ ففي الوقت الذي شهدت فيه بعض البلدان، مثل ليبريا، تقدماً، كان البطء هو سمة الاستجابة لدى كثير من الحكومات.

وعلى حد قول ماريانا فيدمر، تتمثل إحدى العقبات أمام إحراز التقدم في نقص المعلومات الدقيقة لدى الحكومات حول نطاق المشكلة، وهو ما يمنع إدماج المبادرات الخاصة المعنية بالناسور في خطط تلك الحكومات. وتقول: إن لم يكن هناك دراسات وبائية أو معطيات، يكون من الصعب على راسمي السياسات والحكومات تنفيذ السياسات". وتجدر الإشارة إلى أن البلدان ذات معدلات الانتشار العالية للناسور يكون لديها قابلية للتعرض لقضايا صحية كثيرة أخرى، وعلى الأخص ارتفاع معدلات وفيات الأطفال والأمهات. ويتفق معها في الرأي ساس كارجبو، مدير إدارة الصحة الإنجابية في وزارة الصحة بسيراليون. فيقول: "لدينا حفنة من المشكلات، وكان علينا أن نتعامل مع أكبر هذه المشكلات، ألا وهي الحصول على [الرعاية الصحية الأساسية]. وبعد حل هذه المشكلة، ونحن قاب قوسين أو أدنى من ذلك، علينا التركيز حالياً على القضايا ذات الأولوية الأخرى مثل الناسور."

ويرى ستيف أروسميث أن التعامل مع ناسور الولادة يتطلب الإرادة السياسية والموارد لتصحيح حالة عدم الإنصاف الواضحة بين من لديه إمكانية الحصول على رعاية الولادة الجيدة ومن لا يملك هذه الإمكانية. ويقول: "نحن نحتاج إلى سياسيين من أجل التصدي لمشكلات استغلال الموارد على الأصعدة الوطنية، ومواجهة الواقع بأن ناسور الولادة هو أحد قضايا الحقوق الإنسانية الأساسية."

إن عنابر مركز أبيردين للمرأة بمدينة فريتاون تمتلئ بالنساء، بل وينام بعضهن على ملاءات افترشن بها الأرض، أما زينب، التي خضعت لتوها إلى عملية جراحية لمعالجة حالتها، فترتسم على وجهها ابتسامة عريضة وهي تستعد لتعود لبيتها، غير متيقنة مما إذا كانت سوف تستطيع أن تنجب مرة أخرى. ولكنها لا تخشى الحديث عن تجربتها. فتقول: "عندما أعود إلى البيت، سوف أتحدث حول هذا الأمر. وإذا رأيت أحداً يعاني هذه المشكلة، فسوف أدله على المركز... ولن أشعر بالخجل أبداً."

شارك