مجلة منظمة الصحة العالمية

العلم والإعلام والإدراك العمومي: المقتضيات المترتبة على سياسات المناخ والصحة

Diarmid Campbell-Lendrum a & Roberto Bertollini a

a. Public Health and Environment Department, World Health Organization, 20 avenue Appia, 1211 Geneva 27, Switzerland.

المراسلة مع Diarmid Campbell-Lendrum (e-mail: campbelllendrumd@who.int).

نشرة منظمة الصحة العالمية 2010;88:242-242. doi: 10.2471/BLT.10.077362

أصيبت سياسة المناخ الدولي بنكسة بسبب الفشل في التوصل إلى اتفاق قوي وملزم قانونياً في مؤتمر الأمم المتحدة حول تغير المناخ الذي عقد في كوبنهاغن في ديسمبر/كانون الأول من عام 2009. وقد ترافق هذا مع الإطلاق غير المشروع لمضمون الرسائل الإلكترونية التي تبادلها مجموعة من قادة علماء المناخ قبل 10 سنوات، بالإضافة إلى خطأ معرفي (وغيره من الأخطاء المزعومة) في أحدث تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، مما أدى إلى انتشار التقارير السلبية حول علوم المناخ.

يتزامن هذا مع الاهتمام المتزايد بموضوع تغير المناخ من قبل مجتمع الصحة العمومية، كما يتضح من قرار جمعية الصحة العالمية في عام 2008 والبيانات الصادرة عن جمعيات صحية عمومية رئيسة. ومع الادعاءات التي يتم توجيهها الآن إلى علوم المناخ، هل يكون هذا الاهتمام في غير مكانه؟

من الواضح أن الجواب على أبسط المستويات الأساسية هو لا. لقد بُني استنتاج أنّ تغير المناخ يحدث، وأنه ناجمٌ عن الفعاليات البشرية بشكلٍ رئيس، اعتماداً على أسس فيزيائية راسخة تدعمها مجموعة كبيرة ومتماسكة من الأدلة النظرية والمرئية. كما أيده معظم الخبراء في هذا المجال، أيْ من أكثر من 97% من علماء المناخ الناشطين في نشر مؤلفاتهم حول هذا الموضوع، وذلك وفقاً لمسح حديث في الولايات المتحدة الأمريكية.1 وهذا يعادل إجماع الخبراء على أن فيروس نقص المناعة البشري هو السبب في حدوث الإيدز أو أنّ التدخين هو عامل اختطار مهم في الإصابة بسرطان الرئة. يتطلب التخلي عن أي من هذه التأكيدات حصولنا على نظرية بديلة ذات مصداقية، مدعومة بمجموعة مرافقة من الأدلة الخاضعة لمراجعة الزملاء، وهذا ليس موجوداً في الوقت الحاضر.

ومع ذلك، فالانتقادات المنشورة الموجهة لهذا العلم وثيقة الصلة بالموضوع، إلى حد تأثيرها في الرأي العام، وبالتالي دعم السياسات الرامية إلى التصدي لتغير المناخ. فعلى سبيل المثال، أظهر مسحٌ أجري مؤخراً في المملكة المتحدة أنّ 26% فقط من العموم يؤمنون "بحدوث تغير المناخ، وبالدور الأكبر للإنسان في صنعه"،2 بينما يرى 34% فقط من العموم في الولايات المتحدة أن "الاحتباس الحراري هو أمر يؤكّد معظم العلماء حدوثه".3 ستختلف الآراء حول سبب هذا الانفصال بين تقييم الخبراء وإدراك العموم، فإلى أيّ حدٍّ يمكن أن يكون نتيجةً لإخفاقات العلماء أنفسهم، أو لطبيعة الإبلاغ عن الموجودات العلمية. يشمل هذا تغطية وسائل الإعلام التي توفر التوازن أساساً عبر إعطاء وزن متساوٍ للمواقف المعارضة بشدة،4 وجماعات الضغط التجارية والأيديولوجية الكبرى الساعية لتضخيم الأدلة التي تدعم مصالحها الخاصة ومهاجمة تلك التي لا تقوم بذلك،5 ووجود اتجاه قوي للأفراد نحو تجاهل المعلومات التي تشير إلى ضرورة بذل تغييرات سلوكية غير مرغوب بها.6

وبينما يستمر الجدل إعلامياً، يحتاج مجتمع الصحة العمومية إلى الاحتفاظ بوجهة نظر ما. إن السؤال الحقيقي، سواء في رسم السياسات أو في التواصل مع العموم، هو ليس "هل يعتبر علم المناخ مثالياً؟"، ولكن "هل نقترح الإجراءات الأكثر مسؤولية في ضوء أفضل الأدلة المتاحة؟" كما هو الحال مع أي مجال من مجالات الصحة العمومية، إنّ تحديدَ "أفضل الرهانات" لتحسين الخدمات الصحية، سواء على المدى القصير أو على المدى الطويل، يتطلب دراسة حجم المخاطر المحتملة وعدم يقينيتها وفعالية أي استجابة مقترحة وتكاليفها واختطاراتها.

فيما يتعلق بالمخاطر، يشير ميزان الأدلة إلى وجود أثار سليبة لتغير المناخ، ولكن عدم اليقين كبيرٌ في كلا الاتجاهين، بدءاً من إمكانية حدوث بعض الآثار الإيجابية على جزء من السكان، إلى تأثيرات متنوعة وواسعة النطاق وشديدة على الصحة والعدالة في المجال الصحي. لحسن الحظ، يوجد يقين أكبر حول الاستجابات الأفضل. وهذا يشمل، على سبيل المثال، تعزيز برامج تحري الأمراض، ومكافحة الأمراض المنقولة بالنواقل، ومرونة أكبر في تغطية موارد إضافية للمياه والإصحاح. كما تشمل تحسينات في إدراة المخاطر المناخية، من أجل حماية الصحة من الظواهر الجوية الشديدة، ومن أي تدهور طويل الأمد في المحددات البيئية للصحة، مثل نوعية الهواء وتوافر المياه العذبة والأمن الغذائي. ستساهم كل هذه التدخلات في إنقاذ الأرواح حالياً بالإضافة إلى زيادة القدرة على التكيف مع التغير التدريجي للمناخ.

ينطبق السياق ذاته على سياسات التلطيف، والتي هي في جوهرها قرارات حول كيفية قيامنا بتأمين إمدادات الطاقة واستخدامها. على الرغم من احتواء بعض السياسات الرامية إلى الحد من انبعاثات غاز الدفيئة على التكاليف والمقايضات مع أولويات أخرى، فإنه من الممكن تحقيق جزء كبير من هذه المهمة بالاعتماد على مدخرات التكاليف الإجمالية،7 في حين ستجلب العديد من التدخّلات فائدة كبيرة للصحة العمومية (على سبيل المثال من خلال انخفاض معدلات تلوث الهواء) ما يكفي لسداد تكلفة الاستثمار.8 وبالتالي يقدم الباحثون والوكالات الصحية أدلةً وأدوات لدعم السياسات كتوفير مزيد من الطاقة الأكثر نظافةً وإنصافاً والأنظمة الأكثر استدامة للنقل.9

على الرغم من ثقتنا في التدابير التي نقوم بتشجيعها، فإننا نؤمن بأهمية السياسة المسندة بالدليل لذا قمنا بترك الباب مفتوحاً لأية تصحيحات، أو لأية استنتاجات جديدة خطيرة، والتي لها تأثير مباشر على النصائح التي نقدمها في مجال السياسات. لا يبدو بأن الضجة الأخيرة قد قدمت أية أدلة من هذا القبيل. نحن نواصل العمل مع البلدان التي تخضع لمجموعة من الضغوط الصحية، والتي تتعرض الآن إلى زيادة خطر الغرق بسبب ارتفاع مستويات مياه البحار والظروف الجوية الأشد والمعاناة من الجفاف الطويل أو التي تكافح لتوفير طاقة نظيفة للسكان المتزايدين. للأسف، لا توحي التغطية الأخيرة بقدرتنا على التخلي عن قيامنا بهذا العمل في وقت قريب.


المراجع

شارك